ملا محمد مهدي النراقي

68

جامع السعادات

اللسان من دون مدخلية للقلب ، كما إذا سمع شيئا مخوفا ، فيقول على الغفلة : أستغفر الله ، أو نعوذ بالله ، من غير شركة للقلب فيه وتأثره منه ، وأما إذا انضاف إليه تضرع القلب وابتهاله في سؤال المغفرة عن صدق إرادة وخلوص رغبة وميل قلبي إلى انقلاعه عن هذا الذنب فهي حسنة في نفسها ، وإن علم أن نفسه الأمارة ستعود إلى هذا الذنب فتصلح هذه الحسنة لأن يدفع بها السيئة ، فالاستغفار بالقلب وأن خلا عن حل عقدة الإصرار لا يخلو عن الفائدة ، وليس وجوده كعدمه . وقد عرف أرباب القلوب بنور البصيرة معرفة قطعية يقينية لا يعتريها ريب وشبهة صدق قوله تعالى : ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) ( 23 ) . ولذا جزموا وقطعوا بأنه لا تخلو ذرة من الخير عن أثر كما لا تخلو شعيرة تطرح في الميزان عن أثر ، ولو كانت كل شعيرة خالية عن أثر لكان لا يرجح الميزان باجتماع الشعيرات ، فميزان الحسنات يترجح بذرات الخيرات إلى أن يثقل فتسل كفة السيئات ، فإياك وأن تستصغر ذرات الطاعات فلا تأتيها ، وتستحقر ذرات المعاصي فلا تتقيها ، كالمرأة الخرفاء تكسل عن الغزل تعللا بأنها لا تقدر في كل ساعة إلا على خيط واحد ، وأي غنى يحصل منه ، وما وقع ذلك في الثياب ، ولا تدري أن ثياب الدنيا اجتمعت خيطا خيطا ، وأن أجسام العالم مع اتساع أقطاره اجتمعت ذرة ذرة ، وربما ترتب على عمل قليل ثواب جزيل ، فلا ينبغي تحقير شئ من الطاعات . قال الصادق عليه السلام : ( أن الله تعالى خبأ ثلاثا في ثلاث : رضاه في طاعته ، فلا تحقروا منها شيئا فلعل رضاه فيه . وغضبه في معاصيه ، فلا تحقروا شيئا فلعل غضبه فيه . وخبأ ولايته في عبادته ، فلا تحقروا منهم أحدا فلعله ولي الله ) . فإذا الاستغفار بالقلب حسنة لا يضيع أصلا ، بل ربما قيل : الاستغفار بمجرد اللسان أيضا حسنة ، إذ حركة اللسان بها غفلة خير من السكوت عنه فيظهر فضله بالنظر إلى السكوت عنه ، وأن كان نقصا بالإضافة إلى عمل القلب ، فينبغي ألا تترك حركة اللسان بالاستغفار ، ويجتهد في أضافة حركة

--> ( 23 ) الزلزال ، الآية : 7 - 8